مجموعة مؤلفين
172
نهج البلاغة ، نبراس السياسة ومنهل التربية
« وأيم الله - يمينا استثنى فيها بمشيئة اللّه - لأروضنّ نفسي رياضة تهشّ معها إلى القرص إذا قدرت عليه مطعوما ، وتقنع بالملح مأدوما » ومضى الحق يشق طريقه الكؤود وسط عجاج الباطل الثائر ، يعفي آثار الحق ويمحو معالمه حتى استمكن منه وحيدا يعوزه الناصر ويخذله المعين . جهاد الحق « لا يحمل هذا العلم إلا أهل البصر والصبر والعلم بمواضع الحق » ( 1 ) استفرد الحق في ساح الجهاد ، فاستلأم السعادة بعيدا عن الجبناء ، فلقد خذل النصبر وفارق الحميم وخان الرحم ، وأشار المستضعفون برأي الاستضعاف . وانتفض الحق مزمجرا كالليث الهصور ، ليتمحور حول نفسه ، ويحمي عرينه الذي لا يضام . ويسفه رأى الاستضعاف الذي يؤثر السلامة والراحة على حساب الحقوق المشروعة . « أتامرونني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه واللّه لا أطور به ما سمر سمير ، وما أمّ نجم في السماء نجما » ( 2 ) فسوح الجهاد أبواب الجنان وهي أروى للغليل ، من الخضوع للاستكبار . فمن اجتنبها طلبا للراحة سيم خسفا وذلا وصغارا . وقضّى أيامه تعبا ومشقة وشنارا ، فلا راحة أصاب ، ولا خطأ أدرك ، وألبس ثوب الذل والقماءة شأن كل النفوس الضعيفة . وتعالت النفوس الكبار تسمو بالحق لمداره فدار يتمحور حولها إذ غدت وحدها المحور . « إنما أهلك من كان قبلكم أنهم منعوا الناس الحق فاشتروه ، وأخذوهم بالباطل فاقتدوه » ( 3 ) « إن الحق ثقيل مري وإن الباطل خفيف وبيء » ( 4 ) وانطلق صوت الحق يدوي بعيدا في الآفاق ( إذ شاهد مظلوما يضطهد وحيدا ، من أحب البلاد إليه إلى أبغضها لنفسه ) معلنأ أن الاضطهاد والنفي والإبعاد ليست مقاييس السعادة والوحشة فالسعادة سرور نفس ، والوحشة ظلمتها ، ولا تظلم نفس
--> ( 1 ) - خطبة - 173 - ( 2 ) - كلام - 126 - ( 3 ) - رسائل - 79 - ( 4 ) - حكم - 376 -